فضفضة مكتبة ورقية في عصر الذكاء الاصطناعي

         منذ سنوات، كانت المكتبة الورقية هي رفيقتي الدائمة، واليوم وفي عصر الذكاء الاصطناعي، أعود بذاكرتي لتلك الأيام حين كان صغاري يتسارعون إليّ لدى عودتى من عملى ، يتفقدون ما أحضرت لهم ، لا ...لا ..لا أقصد  من الحلوى.ولا الشيبسى، بل من الكتبِ والمجلات .كانوا يحبون كثيرًا مجلة العربى الصغير وهى الملحق لمجلة العربى التى تصدر فى الكويت . ومجلة براعم الايمان وهى ملحق مجلة الوعى الاسلامى الكويتية أيضًا . ومجلة الأمة التى تصدر فى قطر وكذا مجلة الدوحة ، ومجلة الفيصل التى تصدرها المملكة السعودية .أما الأكبر سنًا فكانوا يتابعون بشغف سلسلة كتاب عالم المعرفة الكويتى ،ويتابعون إصدارات مشروع القراءة للجميع المصرى ، وهو لا شك من الأعمال المحمودة ، التى أتاحت وبأسعار متواضعة أعدادا ضخمة من كتب التراث العربى والتراث العالمى المترجم للعربية .

    

مكتبة ورقية تضم كتباً تراثية وأدبية قديمة - سنابل

 ذكريات من زمنٍ مضى  

أيام الدراسة كنتُ اصطحبُ صغارى إلى مدارسهم مُبكرين ، وهنا لدىَّ ساعة كاملة كل صباح حتى يبدأ دوامى اليومى .مما سمح لى بتفقد كل أماكن باعة الصحف فى المدينة ، أعرفهم كلهم ويعرفوننى .أتفقد جديد الكتب كل يوم وهم يخبئون لى النادر منها ، 
أما إذا كان آخر يوم من إمتحانات العام الدراسى ،نهرول سويًا إلى المكتبة الكبيرة بالشارع الرئيسى للمدينة ، فيختاروا ما طاب لهم من الكتب.
ونتيجةً لهذه الممارسات الحياتية ،أصبح لدىَّ مكتبة .وكل كتابٍ فى مكتبتى أذكر متى وكيف جاء ، ومتى قرأته فهذهِ كتب تحمل إهداءات صديقاتى زمن الدراسة بالجامعة ، وهذه مجموعات أشتريتها بالتقسيط ، وهذه تحكى ذكرياتى مع أطفالى يومًا بيوم 

تراجع دور المكتبات الورقية وطفرات الذكاء الصناعى 

ومرت سنوات وانسحب دور المكتبات الورقية شيئًا فشيئًا . أنظر إلى مكتبتى وتنظر إلىَّ  . تقبع الكتب على رفوفها لا تمتد إليها يد ولا عقل .لقد أنزلها الذكاء الصناعى من عرشها ، وسحب السجاد من تحتها . والآن عندما أدعو أحفادى حتى نضع كل كتابٍ فى غلافٍ شفاف ،أو نعد لها فهرسًا لا يكترثون .هم محقون فالكتب الرقمية تملأ الأرجاء . حتى أنا قرأتُ على حاسوبى كتبًا كانت عزيزة المنال.بل وأكثر مِن ذلك أصبح الذكاء الصناعى يُدرك أى أصناف الكتب تستهوينى فيحشدها لى.فهل هذا حلم أم عِلم . 

مسابقة  قمة المليار متابع بدبى للفيلم القصير بالذكاء الصناعى .

كان بداخلى إحساس جارف يناشدنى أن أتذاكر مكتبتي ، ككيانٍ صاحَب روحى زمنًا . فلما أعلنت قمة المليار متابع بدبى عن مسابقتها ، وطلبت عمل فيلم قصير عن الحياة السرية لشيء ما ماذ يقول لو نطق وأفصح وهنا كتبت خواطر مكتبتى وأسرارها ,وها هو حديثها 

1-كنت قلب المدينة النابض.

لكلِ كتابٍ قِصة، ولكنْ ماذا لو كانت المكتبة نفسَها هي القصة ؟ أنا... المكتبة، منذُ زمن ليسَ بالبعيد، كنتُ قلبَ المدينة ِالنابضْ، كنتُ مزارا للعشاقِ والمفكرين  مزارًا لطالبِ العلم ولمعلميه مزارًا لطالبِ المعرفة ولطالبِ التسليه كلهُم روادِى لا يوجد لدىَّ مقعد ُ خالِى وكتبِى يتناوبها القراء بلا انقطاع ودور النشرِ تمُدَنى بالجديد الذى تشرَئِبُ اليه اعناقُ روادِى   وعقولُهم واليوم يَلُفنى النسيان  اقضمُ مرارة الوحدةِ والهجر  اجترُ ذكرياتِى واواسِى نفسِى .تَخيلُوا بعضُهم يزعمْ أنَّ المكتبة جمادْ..... كمْ هم واهمون إنَّهم  واهمون
صَهٍ صَهٍ احقا ما اسمع إنه صوتُ وقع اقدامٍ آتٍ  الىَّ إنه زائرٌ من البشر ......  
ها لقد عادَ أحدهم أخيرا  

2-قطوفٌ من الذكريات.

 حللتَ اهلا ونزلتَ سهلا زائِرى ...ما أشد عَوَزِى إلى بَشَرِىٍ أفضْفِضُ فى حضرته ويكون صدًى لخواطرِى ....كانوا يشغلون مقاعدي كلها  لا أنسى حين كانوا يطالعون فى صمتٍ مهيب ......ولكن حين تسيطر عليهم نَشوةُ ما يقراون فحدث ولا حرج  فهذا شابٌ بلغ به الوجدُ مداه وهو يطالعُ ديوانًا للموشحاتِ الأندلسية أيامَ الزمنْ المخملى للأندلس فإذا به يهتف فجأة  (جادك الغيث إذا الغيث همى .... يازمان الوصل بلأندلس ...)  وهذا الذى تكاد عينيه تقضم الرواية قضما وهويقرأ شيفرة دافنشى لدان براون  ليصل الى حل لُغز الرواية  ...ومَنْ مِنَ القراء يستطبع الفكِاك مِن رواية لدان براون .....أما هذه الثكلى بالكاد تُلاحق دموعها حتى لا يبتل الورق وهى تقرأ مرثياتِ الخنساء لأخيها صخر .    ...أما هذا الكهل فهو يعيش اللحظة مع إمرىء القيس فى ليلهِ الطويل الذى لا يكاد ينجلى  ....وذلك الرجل الذى يتمعر وجهُهُ  ألمًا....إنه يطالع بمرارة    ما فعله التتارُ بمكتباتِ بغداد التى حوت باكورة الفكر البشرى وخلاصتَه انهم قَبرُوها فى النهر حتى تلونَ النهر ....... أما هذا الفنان الشارد الذى يتأمل صورًا للوحات دافنشى وله الحقُ فى شرودِه  .... لأنّ أعمال دافنشى لو رآها ألفٌ مٍنَ البشر لَكانَ لهم أكثر من ألف فهمٍ لها ....أما  هذا الشاب الشغوف بالدراسات التقنية ..كم عكف  كثيرا على كتاب ثيراجا الهندى  والذى يتناول  مبادىء الهندسة الكهربية وشروحاتها وكأنه يدندن بقصيدة المواكب لجبران ....يدقُق كثِيرًافى كلمات الاهداء إذ يكتب المؤلِف  (إلى أمى مع الحب والاحترام )طوبى لمَنْ يُبجِّل الأُمهات .....وكيف أنسى ذلك الكهل العربى والذى يعكف كل يوم على كتاب الأغانى لابى الفرج يزن المقطوعات الشعرية  بموازين الشعر هذه من الطويل وهذه من البسيط وتلك من الرمل .يذكرنى بصاغة ا لذهب بدكاكين خان الخليلى  .......وكل أيامى مثل ذلك عامرةٌ وثريَّة 

3-البدايات البسيطة للذكاء الصناعى .

حتى أتى يومٌ لم أُقدِّر له قدرَه  لمَّا شرع البشر يتفاهمون مع الآلة وتفهمهم ويفهمونها إنها يازائرى حدوتةٌ عجيبة ... يعلم البشر أن الآلة لا تُدرك ولكنهم فطنوا إلى أن الآلة تدرك مرور التيار الكهربى وانقطاعه وبمعنى آخر تدرك الآلة حالة لمبة مضيئة أو لمبة مطفأة   وهنا وُلدت الفكرة  ... اللمبة المضيئة تعبر عن 1 واللمبة المطفأة تُعبر عن  0 وحينها وُلد النظام الثنائى للأعداد  وعبروا عن كل الأعداد  بال 0 وال1  بل وعبروا عن الحروف كذلك  وأصبح لدى البشر لغة جديدة  ......لغة الآلة ......ووُلد يومئذ الذكاء الصناعى   حدقتُ فيه بُرهةً بإستعلاء ...ما هذا المَهين الذى لا يكاد يَبين  إنه يُتهتِه بالحروف وحتى يُحرز حل  متوالية هندسية عليهم أن يمدونه فى المُدخلات  بزنبيل مملوء بال  1  وال0   مرتبة فى صفوف وذلك بعد أن تمت ترجمة الأوامر من لغة البشر إلى لغة الآلة ليحصلوا على الجواب أو بالأحرى المُخرجات بلغة الآلة أيضا ثم يترجمونها مجددًا إلى لغةِ البَشر ..... وهذا غيضٌ من فيضْ  عايشُت كل هذا بأم عينى يازائرى  .... فى بِداياتِه كانت مكوناتُه المادية تملأ صالةً رحِيبة  وحتى بعد ان فطن البَشر إلى إستخدام الكروت المُثقَّبَة لِتعبر عن  ال 1 وال0  كانوا ربما يحتاجون إلى أشرطة من الورق المُثَقَبْ طويلة جدا تكفى للإحاطة بسور حديقة  وذلك حتى يُحرز بعض الأوامر  ..وكانت السطُور المعبرة عن برنامج بسيط بلغة الآلة عند ثنيها بعضها فوق بعض على شكل مُجلَّدْ كانت تشكل مُجلدًا ضَخم الحجم يحتاج الى شاب مفتول العضلات ليحمله .. ..أيامها لم أكترث ولم أشغل بالى....  لا ريب كنتُ واهَمة .

4-طفرات الذكاء الصناعى وإنزواء دور المكتبات الورقية .

ومرت الأيامُ سِراعًا  يازائرى إنها لغة الآلة وآهٍ من لغةِ الآلة . يومها لمْ أحسبْ أنها ستلد ُ قبيلة ً من اللغات وبهذِه السرعة . وشَطَحَ الذكاءُ الصناعى ونَما مثل متواليةٍ هندسية متزايدة بزيادات فَلَكية وتصاغَرَ حجمُه إلى شريحةٍ صغيرة ثم اصغر وأصغر وَحَوَى كل معارف البشر وكل بياناتِ مَنْ فى المعمورة وابتلع كل أجدادى وأندادى من المكتبات وخزَّن ذلك فى حيزٍ صغير فى رأسه وكل كيانِه رأْسْ  ....وتغير نمطُ السلوك البشرى وأنزوَت جانبَا متلازمة المعلم والتلميذ والسبورة والطبشور فما الحاجة إلى ذلك وكل معارف الدنيا مخزنة فى شريحة صغيرة وبوسع غالبية البشر إستدعاء ما يريدون من معلومات  تأتى إليهم المعلومة من مصادرها أينما كانت 
حتى أنت يازائرى نَمَا إلى علمى أنَّ برأسك شريحة دقيقة فأنتَ لستَ مثل البشر الذين عَهدتَهم .....وربما تنتقل بينكم البيانات بالتًخاطُر ..لقد غيَّرَ الذكاءُ الصناعى كثيًرا من سلوكيات البشر  ونَمَط حياتِهم وحسب تقديرى ستبقى أمورٌ كثيرة ترفض الرقمنة  وتأباها ....أما أنا  فإنى أشتاقُ إلى البشر بفطرتهم الأولى وطبيعتهم الأولى  .... ربما يعودون وربما أعود   وإنى أتدثرُ بالأمل . 

                                           ودمتم أحبتى بكل الخير
snabel2021
snabel2021
تعليقات