المواكب قصيدة جبران نتفق مع بعضها ونختلف مع بعضها

 أيام طفولتنا صدحت فيروز بصوتها الثرى ،ببعض مقاطع القصيدة .فسكنت الخيالات المدهشة ذاكرتنا .وبعد زمن نما الوعى واختلف إدراكنا للكثير من الأمور .ووصل إلى مسامعى صوت أحدهم يهتف ،بالله عليك ياسيد جبران دُلَّنى على إحداثيات هذه الغابة ،فأرتحل إليها بلا عودة .ولكنى عرفت انه حتى جبران بنفسه أدرك أنها إنما خيالات فكتب لأخيه فى رسالة :   كنت كالنحات الذي أراد أن يصنع تمثالًا من ضباب البحر.

هذا التعبير المجازي يعكس ،صعوبة تحويل الأفكار المجردة إلى كلمات شعرية موزونة. رغبته في التعبير عن فلسفة الحياة والروح والجسد بطريقة تتجاوز الشكل التقليدي. إحساسه بأن المادة الشعرية أو الكلمات لا تكفي لتجسيد العمق الروحي الذي يسعى إليه.

كتبها جبران في نيويورك، وهي القصيدة الوحيدة التي التزم فيها بالوزن الشعري العربي التقليدي. جاءت في شكل حوار بين صوتين: صوت الإنسان المادي وصوت الإنسان الروحي.
وأنا على يقين أن روح الجغرافية المدهشة للبنان ،ولبلاد الشام عامة انسكبت على شعراء الشام ففاضت قصائدهم بهذه الخيالات الخلابة ،فمنْ منا ينسى نزار أو ايليا أبو ماضى وغيرهم كثير.

       قصيدة المواكب لـ جبران خليل جبران - سياحة في الأدب العربي

       المواكب قصيدة جبران  نتفق مع بعضها ونختلف مع بعضها 
والقصيدة عامةً هى حزمة من الأشواق إلى الحياة الخالية من كل الهموم والتبعات ، الخالية من كل تكلف واتصنع والخالية من كل مكسبات اللون والطعم والرائحة. 

                                            مقاطع القصيدة 

وهلموا إلى المقطع الأول.
الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا    
والشرُّ في الناس لا يفنى وإِن قبروا
وأكثر الناس آلاتٌ تحركها    
أصابع الدهر يوماً ثم تنكسرُ
فلا تقولنَّ هذا عالم علمٌ
ولا تقولنَّ ذاك السيد الوَقُرُ
فأفضل الناس قطعانٌ يسير بها
صوت الرعاة ومن لم يمشِ يندثر
هنا يرى جبران أنَّ الناس بلا إستثناء أشرار.وهم يلتزمون بالخير فقط عند إجبارهم عليه .وأقول لا فيهم الأشرار وفيهم الأخيار، بفطرتهم ،حتى لولمْ تصلهم رسالات السماء . وحتى بدون أن يجبرهم كرباج الحكام .ولا قوانين البلاد.
أما قوله بألا نقول هذاعالِمٌ عَلمٌ أو هذ سيدٌ فاضل ، بالتأكيد لا ولا سنقول وبأعلى صوت للمحسن أحسنت وللمسىء أسأت .وبهذا ترتقى المجتمعات .
المقطع الثانى .
 ليس في الغابات راعٍ.. لا ولا فيها القطيعْ    
فالشتا يمشي ولكن.. لا يُجاريهِ الربيعْ
خُلقَ الناس عبيداً.. للذي يأْبى الخضوعْ
فإذا ما هبَّ يوماً.. سائراً سار الجميعْ
أعطني النايَ وغنِّ.. فالغنا يرعى العقولْ    
وأنينُ الناي أبقى.. من مجيدٍ وذليلْ


وهنا أيضا من قال هذا ؟ إنَّ ساكنى الغابات أممٌ أمثالنا . ولوعَلمنا منطق الطيروالحيوان ولغتهم ، ربما طاشت عقولنا .أولم يصل إليه حديثُ الهدهد للنبى سليمان على نبينا وعليه السلام ،وكيف كان الهدهد محاورًا عبقريًا .بل إن النبى وضع إحتمالا أن الهدهد قد يكون أختلق القصة ليهرب من العقوبة . أو لم يطلع جبران على بحوث  علماء الغرب والشرق فى زمننا هذا ،وقد أجتهدوا فى مراقبة سلوكيات الطير والحيوان ،ولديهم من الملاحظات قناطيرٌ مقنطرة ، وفيها العجب العجاب.
أما الغناء فلا بأس به ،إن كان يقصد هديل الحمام وزقزقة العصافير، وتغريد البلابل .


المقطع الثالث .
وما الحياةُ سوى نومٍ تراوده    
أحلام من بمرادِ النفس يأتمرُ
والسرُّ في النفس حزن النفس يسترهُ    
فإِن تولىَّ فبالأفراحِ يستترُ
والسرُّ في العيشِ رغدُ العيشِ يحجبهُ
فإِن أُزيل توَّلى حجبهُ الكدرُ
فإن ترفعتَ عن رغدٍ وعن كدرِ
جاورتَ ظلَّ الذي حارت بهِ الفكرُ
ليس في الغابات حزنٌ.. لا ولا فيها الهمومْ
فإذا هبّ نسيمٌ.. لم تجىءْ معه السمومْ
ليس حزن النفس إلا.. ظلُّ وهمٍ لا يدومْ
وغيوم النفس تبدو.. من ثناياها النجومْ
أعطني الناي وغنِّ.. فالغنا يمحو المحنْ
وأنين الناي يبقى.. بعد أن يفنى الزمنْ


هذه فضفضة نفس لها مالها من الوجاهة ،وعليها ما عليها وحسب ما اسمع من أخبار الطقس ، فإنَّ كل بقاع المعمورة عُرضةً لتقلبات الطقس . أما الأحزان والأفراح فهى تصاحب البشر أينما حلوا أو ارتحلوا سواء فى الغابة أو فى قصور المدينة .والسعادة فكرة داخل روح البشر لا تتوقف على مكان دون مكان .أما أن أنين الناى يبقى بعدنا فمنْ عاد منْ الموت ،وحكى لنا هذا وأخبرنا عنه ؟


المقطع الرابع.
قلَّ في الأرض مَن يرضى الحياة كما
تأتيهِ عفواً ولم يحكم بهِ الضجرْ
لذاك قد حوَّلوا نهر الحياة إلى
أكواب وهمٍ إذا طافوا بها خدروا
فالناس إن شربوا سُرَّوا كأنهمُ
رهنُ الهوى وعَلىَ التخدير قد فُطروا
فذا يُعربدُ إن صلَّى وذاك إذا
أثرى وذلك بالأحلام يختمرُ
فالأرض خمارةٌ والدهر صاحبها
وليس يرضى بها غير الألى سكروا
فإن رأَيت أخا صحوٍ فقلْ عجباً
هل استظلَّ بغيم ممطر قمرُ
ليس في الغابات سكرٌ.. من مدامِ أو خيالْ
فالسواقي ليس فيها.. غير أكسير الغمامْ
إنما التخديرُ ثديٌ.. وحليبٌ للأنام
فإذا شاخوا وماتوا.. بلغوا سن الفطامْ
أعطني النايَ وغنِّ.. فالغنا خير الشرابْ
وأنين الناي يبقى.. بعد أن تفنى الهضاب


وهذاه كلمات جيدة نعم الراضون بعيشهم من البشر قليل ،والساهون عن إلتزاماتهم كثير.ولكن العيش فى الغابات ، لوكان ممكنًا فلن ينفى عن الإنسان أنهُ كائنٌ مكلف وعليه تبعات حتى تجاه جسده وروحه .


المقطع الخامس.
والدين في الناسِ حقلٌ ليس يزرعهُ
غيرُ الأولى لهمُ في زرعهِ وطرُ
من آملٍ بنعيمِ الخلدِ مبتشرٍ
ومن جهول يخافُ النارَ تستعرُ
فالقومُ لولا عقاب البعثِ ما عبدوا
رباًّ ولولا الثوابُ المرتجى كفروا
كأنما الدينُ ضربٌ من متاجرهمْ
إِن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا
ليس في الغابات دينٌ.. لا ولا الكفر القبيحْ
فإذا البلبل غنى.. لم يقلْ هذا الصحيحْ
إنَّ دين الناس يأْتي.. مثل ظلٍّ ويروحْ
لم يقم في الأرض دينٌ.. بعد طه والمسيح
أعطني الناي وغنِّ.. فالغنا خيرُ الصلاة
وأنينُ الناي يبقى.. بعد أن تفنى الحياةْ


وهنا أيضا كلام جد بعيد إذ ما أرخص هذه السلعة إذن. بمعنى أن البشر يلتزمون الدين لخوف العقاب ، ورجاء الثواب .على الأقل أكثر البشر أكثر من يؤمنون لا يشغلهم هذا.بدليل أنهم قد يبذلوا أروحهم مرضاة لله وهم لا رأوا الجنة ولا النار.إنما طاعةً وولاءً للخالق.ويقين بالغيب .
أما بعد أن تفنى الحياة فهو غيبٌ لا نملك أخباره .


المقطع السادس.
والعدلُ في الأرضِ يُبكي الجنَّ لو سمعوا
بهِ ويستضحكُ الأموات لو نظروا
فالسجنُ والموتُ للجانين إن صغروا
والمجدُ والفخرُ والإثراءُ إن كبروا
فسارقُ الزهر مذمومٌ ومحتقرٌ
وسارق الحقل يُدعى الباسلُ الخطر
وقاتلُ الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ
وقاتلُ الروحِ لا تدري بهِ البشرُ
ليس في الغابات عدلٌ.. لا ولا فيها العقابْ
فإذا الصفصاف ألقى.. ظله فوق الترابْ
لا يقول السروُ هذي.. بدعةٌ ضد الكتابْ
إن عدلَ الناسِ ثلجُ.. إنْ رأتهُ الشمس ذابْ
أعطني الناي وغنِ.. فالغنا عدلُ القلوبْ
وأنين الناي يبقى.. بعد أن تفنى الذنوبْ


أما هنا فقد أجاد جبران ،ولمس جروحًا  نعايشها جراء إنتشار الظلم والحروب .وصدق أيما صدق ، فى رؤيته أن قاتل الجسم يُقتل بسطوة القانون هذا إن تم تطبيق القانون . أما قَتلة الأرواح فلا يرصد فعلهم البشر ولكن الله يرى.


المقطع السابع.
والحقُّ للعزمِ والأرواح إن قويتْ
سادتْ وإن ضعفتْ حلت بها الغيرُ
ففي العرينة ريحٌ ليس يقربهُ
بنو الثعالبِ غابَ الأسدُ أم حضروا
وفي الزرازير جُبن وهي طائرة
وفي البزاةِ شموخٌ وهي تحتضر
والعزمُ في الروحِ حقٌ ليس ينكره
عزمُ السواعد شاءَ الناسُ أم نكروا
فإن رأيتَ ضعيفاً سائداً فعلى
قوم إذا ما رأَوا أشباههم نفروا
ليس في الغابات عزمٌ.. لا ولا فيها الضعيفْ
فإذا ما الأُسدُ صاحت.. لم تقلْ هذا المخيفْ
إن عزم الناس ظلٌّ.. في فضا الفكر يطوفْ
وحقوق الناس تبلى.. مثل أوراق الخريفْ
أعطني الناي وغنِّ.. فالغنا عزمُ النفوسْ
وأنينُ الناي يبقى.. بعد أن تفنى الشموسْ
وهنا حديثُ منطقى فلابد للحق من قوة تحميه ،
 
المقطع الثامن .
والعلمُ في الناسِ سبلٌ بأنَ أوَّلها
أما أواخرها فالدهرُ والقدرُ
وأفضلُ العلم حلمٌ إن ظفرت بهِ
وسرتَ ما بين أبناء الكرى سخروا
فان رأيتَ أخا الأحلام منفرداً
عن قومهِ وهو منبوذٌ ومحتقرُ
فهو النبيُّ وبُرد الغد يحجبهُ
عن أُمةٍ برداءِ الأمس تأتزرُ
وهو الغريبُ عن الدنيا وساكنها
وهو المهاجرُ لامَ الناس أو عذروا
وهو الشديد وإن أبدى ملاينةً
وهو البعيدُ تدانى الناس أم هجروا
ليس في الغابات علمٌ.. لا ولا فيها الجهولْ
فإذا الأغصانُ مالتْ.. لم تقلْ هذا الجليلْ
إنّ علمَ الناس طرَّا.. كضبابٍ في الحقولْ
فإذا الشمس أطلت.. من ورا الأفاق يزولْ
أعطني النايَ وغنِّ.. فالغنا خير العلومْ
وأنينُ الناي يبقى.. بعد أن تطفي النجومْ
وهذه كلماتٌ أظنها ابتعدت عن المنطق. 
المقطع التاسع
والحرُّ في الأرض يبني من منازعهِ
سجناً لهُ وهو لا يدري فيؤتسرْ
فان تحرَّر من أبناء بجدتهِ
يظلُّ عبداً لمن يهوى ويفتكرُ
فهو الأريب ولكن في تصلبهِ
حتى وللحقِّ بُطلٌ بل هو البطرُ
وهو الطليقُ ولكن في تسرُّعهِ
حتى إلى أوجِ مجدٍ خالدٍ صِغرُ
ليس في الغابات حرٌّ.. لا ولا العبد الدميمْ
إنما الأمجادُ سخفٌ.. وفقاقيعٌ تعومْ
فإذا ما اللوز ألقى.. زهره فوق الهشيمْ
لم يقلْ هذا حقيرٌ.. وأنا المولى الكريمْ
أعطني الناي وغنِّ.. فالغنا مجدٌ اثيلْ
وأنين الناي أبقى.. من زنيمٍ وجليلْ
المقطع العاشر
واللطفُ في الناسِ أصداف وإن نعمتْ
أضلاعها لم تكن في جوفها الدررُ
فمن خبيثٍ له نفسان واحدةٌ
من العجين وأُخرى دونها الحجرُ
ومن خفيفٍ ومن مستأنث خنثِ
تكادُ تُدمي ثنايا ثوبهِ الإبرُ
واللطفُ للنذلِ درعٌ يستجيرُ بهِ
إن راعهُ وجلٌ أو هالهُ الخطرُ
فان لقيتَ قوياًّ ليناً فبهِ
لأَعينٍ فقدتْ أبصارها البصرُ
ليس في الغابِ لطيفٌ.. لينهُ لين الجبانْ
فغصونُ البان تعلو.. في جوار السنديانْ
وإذا الطاووسُ أُعطي.. حلةً كالأرجوان
فهوَ لا يدري أحسنْ.. فيهِ أم فيهِ افتتان
أعطني الناي وغنِّ.. فالغنا لطفُ الوديعْ
وأنين الناي أبقى.. من ضعيفٍ وضليعْ


ومثل كل مقطع يرى جبران فى البشر امورًا فيها للبشر غبنٌ ويعقد المقارنات بينهم وبين حياة الغاب وحيوانات الغابة وحتى أشجار الغابة . 


المقطع الحادى عشر .
والظرفُ في الناس تمويهٌ وأبغضهُ
ظرفُ الأولى في فنون الاقتدا مهروا
من مُعجبٍ بأمورٍ وهو يجهلها
وليس فيها له نفعٌ ولا ضررُ
ومن عتيٍّ يرى في نفسهِ ملكاً
في صوتها نغمٌ في لفظها سُوَرُ
ومن شموخٍ غدت مرآتهُ فلكاً
وظلهُ قمراً يزهو ويزدهرُ
ليس في الغاب ظريف.. ظرفهُ ضعف الضئيلْ
فالصبا وهي عليل.. ما بها سقمُ العليلْ
إن بالأنهار طعماً.. مثل طعم السلسبيلْ
وبها هولٌ وعزمٌ.. يجرفُ الصلدَ الثقيلْ
أعطني الناي وغنِّ.. فالغنا ظرفُ الظريفْ
وأنين الناي أبقى.. من رقيق وكثيفْ
المقطع الثانى عشر.
والحبُّ في الناس أشكالٌ وأكثرها
كالعشب في الحقل لا زهرٌ ولا ثمرُ
وأكثرُ الحبِّ مثلُ الراح أيسره
يُرضي وأكثرهُ للمدمنِ الخطرُ
والحبُّ إن قادتِ الأجسام موكبهُ
إلى فراش من الأغراض ينتحرُ
كأنهُ ملكٌ في الأسر معتقلٌ
يأبى الحياة وأعوان له غدروا
ليس في الغاب خليع.. يدَّعي نُبلَ الغرامْ
فإذا الثيران خارتْ.. لم تقلْ هذا الهيامْ
إن حبَّ الناس داءٌ.. بين حلمٍ وعظامْ
فإذا ولَّى شبابٌ.. يختفي ذاك السقامْ
أعطني النايَ وغنِّ.. فالغنا حبٌّ صحيحْ
وأنينُ الناي أبقى.. من جميل ومليحْ
المقطع الثالث عشر 
فان لقيتَ محباً هائماً كلفاً
في جوعهِ شبعٌ في وِردهِ الصدرُ
والناسُ قالوا هوَ المجنونُ ماذا عسى
يبغي من الحبِّ أو يرجو فيصطبرُ
أَفي هوى تلك يستدمي محاجرهُ
وليس في تلك ما يحلو ويعتبرُ
فقلْ همُ البهمُ ماتوا قبل ما وُلدوا
أنَّى دروا كنهَ من يحيي وما اختبروا
ليس في الغابات عذلٌ.. لا ولا فيها الرقيبْ
فإذا الغزلانُ جُنّتْ.. إذ ترى وجه المغيبْ
لا يقولُ النسرُ واهاً.. إن ذا شيءٌ عجيبْ
إنما العاقل يدعى.. عندنا الأمر الغريبْ
أعطني الناي وغنِّ.. فالغنا خيرُ الجنون
وأنين الناي أبقى.. من حصيفٍ ورصينْ
المقطع الربع عشر 
وقل نسينا فخارَ الفاتحينَ وما
ننسى المجانين حتى يغمر الغمرُ
قد كان في قلب ذي القرنين مجزرةٌ
وفي حشاشةِ قيسِ هيكلٌ وقرُ
ففي انتصارات هذا غلبةٌ خفيتْ
وفي انكساراتِ هذا الفوزُ والظفرُ
والحبُّ في الروح لا في الجسم نعرفهُ
كالخمر للوحي لا للسكر ينعصرُ
ليس في الغابات ذكرٌ.. غير ذكر العاشقينْ
فالأولى سادوا ومادوا.. وطغوا بالعالمين
أصبحوا مثل حروفٍ.. في أسامي المجرمينْ
فالهوى الفضّاح يدعى.. عندنا الفتح المبينْ
أعطني الناي وغنّ.. وانس ظلم الأقوياء
إنما الزنبق كأسٌ.. للندى لا للدماء

لا وربى لن ننس الفاتحين أبدًا .ولولا من يحرسون ثغور الحق ، لأهلك الباطل البلاد والعباد .أما قيس هذا فتعلق بواحدة من البشر غدت فى عصمة غيره .وكان عليه أن يكف ويبدع أمورا مُفيدة له وللبشر .أقولُ هذا رغم أنى أنا ليلى.
المقطع الخامس عشر
وما السعادة في الدنيا سوى شبحٍ
يُرجى فإن صارَ جسماً ملهُ البشرُ
كالنهر يركض نحو السهل مكتدحاً
حتى إذا جاءَهُ يبطي ويعتكرُ
لم يسعد الناسُ إلا في تشوُّقهمْ
إلى المنيع فإن صاروا بهِ فتروا
فإن لقيتَ سعيداً وهو منصرفٌ
عن المنيع فقل في خُلقهِ العبرُ
ليس في الغاب رجاءٌ.. لا ولا فيه المللْ
كيف يرجو الغاب جزءا.. وعَلىَ الكل حصلْ
وبما السعيُ بغابٍ.. أَملاً وهو الأملْ
إنما العيش رجاءً.. إِحدى هاتيك العللْ
أعطني النايَ وغنِّ.. فالغنا نارٌ ونورْ
وأنين الناي شوقٌ.. لا يدانيهِ الفتور
المقطع السادس عشر
غايةُ الروح طيَّ الروح قد خفيتْ
فلا المظاهرُ تبديها ولا الصوَرُ
فذا يقول هي الأرواح إن بلغتْ
حدَّ الكمال تلاشت وانقضى الخبرُ
كأنما هي.. أثمار إذا نضجتْ
ومرَّتِ الريح يوماً عافها الشجرُ
وذا يقول هي الأجسام إن هجعت
لم يبقَ في الروح تهويمٌ ولا سمرُ
كأنما هي ظلٌّ في الغدير إذا
تعكر الماءُ ولّت ومَّحى الأثر
ضلَّ الجميع فلا الذرَّاتُ في جسدٍ
تُثوى ولا هي في الأرواح تختصر
فما طوتْ شمألٌ أذيال عاقلةٍ
إلا ومرَّ بها الشرقيْ فتنتشرُ
لم أجد في الغاب فرقاً.. بين نفس وجسدْ
فالهوا ماءٌ تهادى.. والندى ماءٌ ركدْ
والشذا زهرٌ تمادى.. والثرى زهرٌ جمدْ
وظلالُ الحورِ حورٌ.. ظنَّ ليلاً فرقدْ
أعطني النايَ وغنِّ.. فالغنا جسمٌ وروح
وأنينُ الناي أبقى.. من غبوق وصبوحْ
المقطع السابع عشر
والجسمُ للروح رحمٌ تستكنُّ بهِ
حتى البلوغِ فتستعلى وينغمرُ
فهي الجنينُ وما يوم الحمام سوى
عهدِ المخاض فلا سقطٌ ولا عسرُ
لكن في الناس أشباحا يلازمها
عقمُ القسيِّ التي ما شدَّها وترُ
فهي الدخيلةُ والأرواح ما وُلدت
من القفيل ولم يحبل بها المدرُ
وكم عَلَى الأرض من نبتٍ بلا أَرجٍ
وكم علا الأفق غيمٌ ما به مطرُ
ليس في الغاب عقيمٌ.. لا ولا فيها الدخيلْ
إنَّ في التمر نواةً.. حفظت سر النخيلْ
وبقرص الشهد رمزٌ.. عن فقير وحقولْ
إنما العاقرُ لفظ.. صيغ من معنى الخمولْ
أعطني الناي وغنِّ.. فالغنا جسمٌ يسيلْ
وأنينُ الناي أبقى.. من مسوخ ونغولْ
المقطع الثامن عشر
الموتُ في الأرض لابن الأرض خاتمةٌ
وللأثيريّ فهو البدءُ والظفرُ
فمن يعانق في أحلامه سحراً
يبقى ومن نامَ كل الليل يندثرُ
ومن يلازمُ ترباً حالَ يقظتهِ
يعانقُ التربَ حتى تخمد الزهرُ
فالموتُ كالبحر مَنْ خفّت عناصره
يجتازه وأخو الأثقال ينحدرُ
ليس في الغابات موتٌ.. لا ولا فيها القبور
فإذا نيسان ولىَّ.. لم يمتْ معهُ السرورْ
إنَّ هولِ الموت وهمٌ.. ينثني طيَّ الصدورْ
فالذي عاش ربيعاً.. كالذي عاش الدهورْ
أعطني الناي وغنِّ.. فالغنا سرُّ الخلود
وأنين الناي يبقى.. بعد أن يفنى الوجود

الغاب أيضًا فيها الموت والحياة .فالموت ُ قانون لا تفلت منه المخلوقات مهما احتالت ، أما أنين الناى هذا أيبقى بعد أن يفنى الوجود، فلم يعود من الذاهبين من يخبرنا بصحة الخبر. ولكن جبران أبدع أيما إبداع فى قوله  :فالموتُ كالبحر مَنْ خفّت عناصره
يجتازه وأخو الأثقال ينحدرُ.
المقطع التاسع عشر
أعطني الناي وغنِّ.. وانس ما قلتُ وقلتا
إنما النطقُ هباءٌ.. فأفدني ما فعلنا
هل تخذتَ الغاب مثلي.. منزلاً دون القصورْ
فتتبعتَ السواقي.. وتسلقتَ الصخورْ
هل تحممتَ بعطرٍ.. وتنشقت بنورْ
وشربت الفجر خمراً.. في كؤُوس من أثير
هل جلست العصر مثلي.. بين جفنات العنبْ
والعناقيد تدلتْ.. كثريات الذهبْ
فهي للصادي عيونٌ.. ولمن جاع الطعامْ
وهي شهدٌ وهي عطرٌ.. ولمن شاءَ المدامْ
هل فرشتَ العشب ليلاً.. وتلحفتَ الفضا
زاهداً في ما سيأْتي.. ناسياً ما قد مضى
وسكوت الليل بحرٌ.. موجهُ في مسمعكْ
وبصدر الليل قلبٌ.. خافقٌ في مضجعكْ
أعطني الناي وغنِّ.. وانسَ داًْء ودواء
إنما الناس سطورٌ.. كتبت لكن بماء
ليت شعري أي نفعٍ.. في اجتماع وزحامْ
وجدالٍ وضجيجٍ.. واحتجاجٍ وخصامْ
كلها إنفاق خُلدٍ.. وخيوط العنكبوتْ
فالذي يحيا بعجزٍ.. فهو في بطءٍ يموتْ
وهذا المقطع تحديدًا هو انتشر واشتهر من القصيدة . وياله من خيال فاره ليته موجود .
المقطع العشرون .
العيشُ في الغاب والأيام لو نُظمت
في قبضتي لغدت في الغاب تنتثر
لكن هو الدهرُ في نفسي له أَربٌ
فكلما رمتُ غاباً قامَ يعتذرُ
وللتقادير سبلٌ لا تغيرها
والناس في عجزهم عن قصدهم قصروا

والدهر هنا يعتذر كلما رام جبران غابا ، والأمر ليس هكذا ، فإن مراد جبران هذا ليس موجود على ظهر المعمورة ، التى نعلمها ،ونحن نؤمن بالغيب ،وانَّ بالجنة المكان الأجمل للصالحين من العباد.

غابة جبران التخيلية

كلماتٌ قالها جبران فيها الجيد وفيها مافيه قوَّلان . وفيها من روح بلاد الشام الجميلة .وفيها روح الغُربة  فقد كان غريبا فى مهجره .وفيها شوق البشر الكامن فى ارواحهم إلى بدايات حياتهم على الأرض .ولكن لى تعقيب وشهادة لابد من أدائها .جبران قال و أنا أقول والبشر يقولون ، وكل نفسٍ بما كسبت رهينة. فالغابة التى يصفها جبران إنما هى غابة إفتراضية . أما الغابة الحقيقية من المستحيل إرتيادها إلا بحراسات مشددة ومسلحة ، وداخل مركبات محصنة .وإعدادات وتجهيزات لكل طارىءٍ محتمل ،ولنفترض جدلًا أنه ُ سكن الغابة وسأذكر هنا غيضًا من فيض من الأخطار المحتملة، سوف تخطف النسور وجوارح الطير ثوبه المنشور على جريد النخيل وتذهب به .أما غداءه بعد إصطياد الأسماك من البحيرة  وشواءها فسوف تتحايل عليه القردة ليلهو معها وتلهيه ,حتى ينجز صغارها سرقة الغداء بكامله .اما وسادته التى صنعها من القطن البرى فسوف تلاعبه الأرانب البرية حتى تقوم أمهاتها بسحب القطن وتفريغ الوسادة لتضع عليه مواليدها الجدد ، وحتى عند النوم لن ينام ,,, الفئران تداعب أطرافه بممارساتها السمجة .وهنا لن أذكر الحيوانات المفترسة ولا الزواحف القاتلة .وحتى لن أذكر البعوض .
وإذن أولى مقومات العيش للبشر بعد الطعام هى الأمان . أما الجنة التى أعدها الله للصالحين من عباده ، لن تكون فى الدنيا وفيها ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت،ولا خطر على قلب بشر .

  ودمتم أحبتى بكل الخير         

snabel2021
snabel2021
تعليقات